Mar Elias Evangelisation

Dr. Elias (PhD)

<

Existence of Evil Part 2

وجود الشر في العالم: (October 29 2021)

"الله مانشاف، بالعقل انعرف" (2)

لعلّ الجرائم من ابشع وجوه الشرّ في العالم.

فلماذا لا يتدخّل الله ويكفّ يد المجرم قبل أن يرتكب جريمته؟

أذكر أنّي عندما كنت أخدم رعيّة مار الياس للملكيّين الكاثوليك في المعرّة (1981-1998) كسر مجهولون باب مقام مار الياس وسرقوا ما صندوق التقادِم من تبرّعات... انتشر الخبر في المعرّة فأخذ كلّ من رآني يعترض قائلا: "أبونا، ليش ربّنا ما بِيَبّس يد الحراميّة؟ وهل يا ترى مار الياس الحيّ مانو قادر يحمي مقامه؟" فكنت أجيب:" ناس كتار سألوني نفس السؤال ... تعالوا صلّوا معنا يوم الأحد القادم لكي تسمعوا الجواب." طبعًا في ذلك الأحد غصّت الكنيسة بجمهور المصلّين كما لو كنّا نحتفل بأحد الشّعانين أو جنّاز المسيح -:).

فقلت لهم: " ما المانع أن تملأوا هذه الكنيسة كلّ يوم أحد؟ طبعًا جئتم لتسمعوا الجواب على اعتراضكم: لماذا لم يتدخّل الله ويكفّ أيدي المجرمين الذين سرقوا صندوق مار الياس: أليس كذلك؟ إليكم الجواب:

أولا - هذا يعني عمليًّا أنكم تطالبون الله بأن يتدخّل فورًا ويعاقبنا على كلّ عمل قبيح نرتكبه. لو فعل ذلك لنظرنا حولنا فما وجدنا إلّا الأعور والأعمى والأعرج والأخرس والأطرش والكسيح إلخ.لأنّنا كلّنا خطأة و"ليس من إنسان يحيا ولا يخطَأ"!

فهل هذا ما تريدون فعلاً ؟

ثانيا - لو يبّس الله يد المجرم لناقض نفسه: فهو يهبنا الحريّة لنتصرّف تصرّف أُناس يقدّرون المسؤوليّة حقّ قدرها... لكنّه يعود ويتدخّل ليسلبنا حريّتنا!

ثالثًا - أعطانا الله الحريّة لنختار الأفضل بين أكثر من احتمال صالح، لا لنختار بين الخير والشرّ. لكن لو لم يكن في استطاعتنا - إن شئنا - أن نختار الشرّ بدلا من الخير، لكانت حريّتنا وهميّة. ولكنّا مسيّرين كالحيوانات!

رابعًا- هذا يعني أن الشرّ ناجم عن سوء استعمال الانسان لحرّيته. ولا يجوز أن نقول :" الله خلق الشرّ كما خلق الخير." فالله منزّه عن الخطأ. فضلا عن أنّه محبّة، ومصدر الحق والعدل والخير والصلاح والجمال والسخاء، وكل صفة محبّبة... ومن المستحيل أن يكون الشرّ من صُنعه.

خامسًا - في نهاية المطاف، مهما طغى الشرّ وبغى، فإنّ الغلبة للخير على الشرّ. "ولا غالب إلّا الله." فالله يُمهل ولا يُهمل: ولا بدّ لكلّ إنسان، عاجلا أم آجلا، أن يمثُل أمام منبر الديّان العادل ليؤدي حسابًا عن أعماله، أي عن كيفيّة استعماله لحريّته. فالله هو المهيمن وإليه ترجع الأمور.

"عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.” هنالك حكايات وأساطيركثيرة تنطوي على عِبَر مفيدة. ومنها ما ورد في كتاب كليلة ودمنة وحكايات الإغريقي آيسوبوس والكاتب الفرنسي لافونتين وسواهم، من أمثال وقصص على ألسنة الحيوانات.

وإليكم قصّة ذات مغزى من افريقيا:

يقال انّ ملكًا افريقيا، في قديم الزّمان، كان له وزير حكيم مشهور بتفاؤله. فكان يرى أنّ كلّ ما يحدث في الوجود ينطوي في الواقع على خير، ولو بدا للوهلة الأولى بمظهر الشرّ. وكان الوزير يرافق الملك في حلّه وترحاله. ذات يوم ذهب الملك للصّيد "ببارودة دكّ" أعدّها الوزير. لكنّها انفجرت بيد الملك وذهبت بإحدى أصابعه. فقال الوزير كعادته: " لعلّه خير! " اعتبر الملك هذا القول إهانة له و شماتة. فغضب على الوزير وأمر بحبسه. فذهب إلى السجن وهو يقول: " لعلّه خير! "

بعد ذلك انطلق الملك منفردًا إلى الصيد فوقع في يد قبيلة معادية أسرَتْه وأعدّت العدّة لذبحه وتقديمه محرقة للآلهة. لكنْ عند الفحص تبيّن لهم أنّ هنالك إصبعًا ناقصة في يده. فأفرجوا عنه لأنه لا يجوز في اعتقادهم تقديم أضحية فيها عيب...

رجع الملك إلى قصره وهو غارق في التفكير. وطبعًا عفا عن الوزير. ولـمّا مثَلَ هذا الأخير بين يديه سأله الملك:

لقد فهمتُ لماذا وصفتَ فقدان إصبعي بأنّه خير. لكن لماذا قلت عن أمري بسجنك إنه خير؟ فأجاب الوزير: " سيّدي، لو لم تسجنّي لرافقتك إلى الصيد ولكنت أنا الأضحية لأني كامل البنية! حتّى أمرُك بسجني ظلمًا كان فيه خيرٌ لي!".

لنا في هذه الحكاية - ولو كانت أسطورة - عِبرة عميقة. فهي تنطبق على واقع الحياة.

هنالك مثل شعبي شائع يقول : " لا تعلّم ابنك، فالدّهر يعلّمه". طبعًا ليس المقصود أن نعفيه من الدراسة، بل أن نتذكّر انّ الدراسة وحدها لا يمكن أن تحلّ محلّ الخبرة في الحياة. لأن المعاناة في الحياة لا غنى عنها لنضوج الانسان. فالشدّة تصنع الرّجال!

هذا بالضبط ما قاله رئيس أساقفة جنوب أفريقيا السّابق، ديسموند توتو، في تأبينه للزعيم الراحل ويلسون مانديلا :"كثيرًا ما يستغرب النّاس قولي هذا، لأن الظّلم والتنكيل والألم، كل ذلك يثير الضّغينة في قلب الانسان. غير أن العذاب هو امتحان لا يُخطئ للكشف عن معدن الرّجال. عندما دخل منديلا السجن كان يتأجّج غيظًا. لكنّ السّبع والعشرين سنة التي أمضاها في السّجن كانت حافزًا له على أن يتحوّل من قائد غاضب، إلى زعيم حليم شهم لا يعرف الأنانيّة ولا الضّغينة. وعلاوة على ذلك فإنّ السّجن أضفَى على شخصيّته مصداقيّة فريدة."

ومن التطوّرات الخيّرة المدهشة التي أسفرَت عنها الأحداث المفجعة " لما يُسمّى بالربيع العربي"، في تونس و مصر وسورية وسواها، أنّها أدّت إلى مزيد من التّفاهم والتّقارب، بل التآخي، بين المسيحيّين والمسلمين الأتقياء المعتدلين. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. منها أنّ المسلمين الصّادقين في مصر تضامنوا مع جيرانهم المسيحيّين الأقباط لحمايتهم وحماية منازلهم وكنائسهم من اعتداءات العناصر الإسلاميّة المتطرّفة. ومنها أننا رأينا للمرّة الأولى في التّاريخ نساء مسلمات محجَّبات، يتظاهرن في شوارع دمشق والقاهرة، حاملات القرآن بيد والإنجيل باليد الأخرى. كما رأينا لافتات تحمل الصليب والهلال معًا، عكس الأعلام السعوديّة التي ترفع السّيوف، رمز الجهل والتعصّب الأعمى والغزو والسبي واقتسام الغنائم والجواري إلخ.

هذا لا يعني بتاتًا أنّ هذه النتائج الطيّبة تبرّر أهوال الحرب التي جرت في سورية والعراق وطحنت بضراوتها الأخضر واليابس. كما أنّها لا تبرّر الفظائع التي ارتكبتها عصابات داعش الهمجيّة الإرهابيّة المرتزقة. إنّما لا بدّ للمفكّر النّزيه أن يمحّص الأحداث ويستخلص منها العِبَر التي تفرض ذاتها عليه. فهنالك أمر واقع لا بدّ من تسجيله وهو أن المعاناة القاسية التي يعانيها الشعب السّوري والعراقي وسواهما، إنّما تؤدّي لا محالة إلى مزيد من النّضوج الفكريّ والرّوحيّ والاجتماعيّ عند الأغلبية العظمى من النّاس. حتّى فظائع داعش كان لها بعض النتائج الإيجابية التي لا يستهان بها: إنّها فتّحت عيون الناس - من المسلمين وغير المسلمين – إلى خطر التعصّب والتزمّت.

إنّ ما أريد الوصول إليه هو أن أقول لأخوتي الذين حملوني على كتابة هذه الخواطر العابرة، وإلى جميع الذين يعانون من أهوال الحرب وأعمال العنف الدّامية في ربوع سورية الحبيبة وسواها ما يلي:

استنادًا إلى الاعتبارات التي قدّمناها، لا يجوز أن نترك الشكّ يمسّ إيماننا، ولا أن ندع اليأس يتسرّب إلى قلوبنا، بحجّة أنّ الحرب المفتعلة التي فُرِضَت على سورية قد طالت، أو لأننا توسّلنا إلى الله مرارا وتكرارا ليرفع هذا البلاء عنّا، دون أن يستجيب.

الانسان المتسرّع، أو المتهوّر، يستنتج: "لو كان الله موجودًا، لتدخّل فورًا ليسحق الظّالمين، ويمنع عصابات داعش الهمجية من ارتكاب الجريمة تلو الجريمة بحق الأبرياء." ذلك تفكير سطحيّ صبيانيّ لا يشفي الغليل. فهنالك تفسير أعمق وأصدق: الله لا يتدخّل لأنّه يعلم ما لا نعلم. وهو يُؤْثر الصّمت، ليس لأنّه عاجز عن كفّ يد الطّغاة، بل لأنّ عقولنا المحدودة عاجزة عن إدراك تدبيره الإلهيّ: لا أحد يستطيع أن يضع البحر في كشتبان! مثلا: أطفالنا قد يسألونا أسئلة وجيهة، لها أجوبة شافية. لكن يستحيل علينا تفسيرها لهم، لأنّها تنطوي على مفاهيم نظريّة يتعذّر على طفل أن يستوعبها لعدم نضوجه. هكذا نحن إزاء أبينا السّماويّ!

كلّنا أطفال أمامه! نطرح أسئلة يتعذّر عليه (ولو كان كامل القدرة) أن يجيب عنها، ليس قصورًا منه، بل من عقولنا المحدودة.

وهذا يفسّر لماذا يُطيل أناته، ويتحمّل جهلنا، وتطاولنا عليه، وغطرستنا، وخطايانا.

ربّما سمعتم بالحكمة البديهيّة القائلة: "لا أحد يقطع فرع الشّجرة الذي هو جالس عليه!"

الغصن الذي نرتكز عليه هو إيماننا. إنّه أعظم سند لنا في ساعة الشدّة. وإيماننا ينطوي على حقائق لا مجال للشكّ فيها مهما كانت الاعتراضات النظريّة أو العمليّة ومهما تفاقمت الظّروف الرّاهنة. وأوّل هذه الحقائق

وجود الله الخالق، الذي هو محبّة، ومصدر كل خير وصلاح وجمال وكمال في هذا الكون.

هذه حقيقة أوليّة ثابتة يستحيل إنكارها. إيماننا بالله الخالق الذي أبدع هذا الكون من فيض حبّه وسخائه، هو بمثابة الدّرع الواقي الذي ندرأ به كلّ مصاب.... من هنا ضرورة الصّلاة. والصلاة ليست إلّا حوارًا عفويًّا حميمًا بيننا وبين أبينا السّماوي، بها نستمدّ منه القُوْت الرّوحي لنفوسنا، والنّور الضّروري لمسيرتنا على هذه الأرض.

تلك هي بعض النتائج المنطقيّة التي نستخلصها من معالجة وجود الشرّ في العالم. (يتبع)