Mar Elias Evangelisation

Dr. Elias (PhD)

<

Existence of Evil Part 1

غذاء للفكر: سين – جيم (2): (October 28 2021)

"الله مانشاف، بالعقل انعرف".

سؤال: بما انّ الله محبّة وكامل القدرة، فلماذا يسمح بوجود الشرّ؟

سؤال وجيه يخطر في بال كل من يفكّر، مثلا: طفل بريء يولد ضريرًا.

حادث سير يؤدي إلى وفاة فتى أو فتاة في سنّ الورود. جرائم مريعة ترتكب في العالم كلّ يوم. الظلم. الفقر. المرض إلخ...

إنّ معضلة وجود الشرّ في العالم هي من أعسر المسائل اللاهوتيّة والفلسفيّة وأقدمها. ولا يزال المفكّرون يعالجونها منذ آلاف السنين. حوْلها تدور مأساة سفر أيّوب بكامله الذي يرجع تأليفه إلى حوالى منتصف الألف الأول ق م (21: 7-15). وقد أعرب عنها أيضًا صاحب المزامير أكثر من مرّة

بقوله : "ربِّ، لماذا ينجح المنافقون؟!"

وأوّل ما يخطر في بالي، أنّ في الله عزّ وجلّ أسرارًا لا نفهمها، بل يستحيل علينا إدراكها، لسبب بسيط: مَن منّا يقدر أن يضع البحر في كشتبان؟ نحن خليقة وهو الخالق. نحن محدودون في الزمان والمكان والإدراك، وهو غير محدود. ومهما بلغنا من العِلم والذكاء، فإنه يستحيل علينا أن "نحيط" بالله عِلمًا.

إنّما عجبي بالذين يتسرّعون في أحكامهم ويرَون في صمت الله إزاء وجود الشرّ أو العذاب أو الإجرام في العالم، مبرّرًا لإنكارهم وجود الخالق...

لنفرض أنّي غنيّ بالملايين وسألني ابني مبلغًا كبيرًا أو ضئيلًا من المال، فرفضت أن أعطيه إياه لسببٍ ما. هل يستنتج من ذلك أنّي غير موجود؟ له أن يحاول تفسير رفضي، كيفما شاء، ربّما بأني بخيل أو قاسي القلب الخ... لكن لا يمكن أن يخطر في باله أو بال أحد أنّ صمتي يعني أني غير موجود! فلماذا لا يطبّقون هذه القاعدة المنطقيّة البسيطة على الله؟

أو لنفرض أنّ طفلا بكامل صحّته ونشاطه يلعب في باحة الدّار. وفجأة يقع على الأرض صارخًا بسبب ألم شديد في بطنه. نستدعي سيّارة الإسعاف وننقله إلى المشفى. الطبيب يشخّص التهاب الزّائدة، ويأمر بنقله فورًا إلى غرفة العمليّات. لكن ما انْ يسمع الطفل ذلك، حتى يعلو صراخه إلى عنان السحاب ويحاول الهرب من المشفى... فهل نشفق عليه ونعفيه من العمليّة لأنها مؤلمة؟ أم نقيّده اذا لزم الأمر، ونطلب إجراء العمل الجراحي مهما كان مؤلمًا، لأننا نحبّه ونريد إنقاذه من الموت؟

قد يظنّ الطفل أنّ والديه يظلمانه، أو أنّهما بلا شفقة ولا رحمة. لكن الحقيقة تختلف تمام الاختلاف: فهما يعلمان أنّ الوجع المؤقت يؤُول إلى خيره، أمّا هو فلا يعلم. ومهما بذلنا من الجهد لنُفهمه موقفنا فإنّه لا يقتنع ولا يمكن أن يقتنع، لسبب بسيط: ينقصه النّضوج الفكريّ والخبرة الكافية في الحياة.

هذا شأننا مع الله الخالق، الآب السّماويّ الرّحيم. وتلك هي قصّتنا معه! إنّا نتصرّف كأطفال جهلة! وطالما نحن في صحّة جيّدة، وطالما سارت أمورنا على خير ما يُرام، فلا نفكّر فيه! لكن إذا ابتُلينا بمرض أو بمصيبة ما، حينئذ نتذكّره ونستغيث به. وقد نتذمّر منه، وقد يذهب بنا الطّيش إلى أن نجحده وننكر جميله! ومع ذلك فهو يبقى أمينًا، ولا يكفّ عن محبتّنا حتّى إذا ضَلَلْنا، وحتّى إذا تمادينا في الغطرسة وتطاولنا عليه وأنكرنا وجوده!

إليكم مثلا آخر:

صديقان ذهبا إلى البحر ليصطادا سمكًا بالصنّارة. جلسا على صخرة وألقى كل منهما صنّارته في الماء، ثمّ أخذا يتجاذبان أطراف الحديث ريثما يظفران بصيد... فقال أحدهما لرفيقه مُعجبًا: "ما أعظم قدرة الخالق! وما أروع البحر : له أوّلٌ وليس له تالٍ!." سمِعَت الحديثَ سمكة فنادت رفيقتها وقالت: تعالي اسمعي ما يقول هذا الغبيّ:

" هنالك شيء اسمه بحر، له أوّل وليس له تالٍ! هل رأيتِ البحر؟ فأجابتها رفيقتها: "دعيه يهذي...هذه خرافات تتسلّى بها العجائز... البحر ما رآه أحد منّا، لسبب بسيط: لا وجود له "!

تلك هي أيضًا قصّتنا مع الله الخالق. " به نحيا ونتحرّك ونوجد" (أعمال الرّسل 17: 28) ومنه نستمدّ الحياة في كل لحظة، يهبنا إيّاها مجّانًا مع كلّ نبضة من نبضات قلبنا. ومع ذلك ننكر وجوده لأننا لا نراه!

وهل كل ما لا يُرى أو يُلْمَس لا وجود له؟ هل نرى الفكر؟ كلّا. ومع ذلك مَن منّا يشكّ في وجوده؟

العالم الرّياضي الفرنسي أوربان لو فِرّيِيه

(Urbain le Verrier 1811 – 1877)

اكتشف الكوكب السيّار بلوتون دون أن يراه وذلك بمراقبة حركة غير طبيعيّة تطرأ على مسار الكوكب السيّار أورانوس. افترض أنّ ذلك لا يفسَّر إلّا بوجود كوكب سيّار مجاور مجهول يؤّثر على مسار أورانوس. ثمّ قام بحساب رياضيّ دقيق مكّنه نظريًّا من تعيين موقع ذلك الكوكب. وفي أواخر أيلول 1846 طلب من زميله الفلكيّ الألماني يوهان غالِّه

Johann Galle

في مرصد برلين أن يوجّه مرصاده إلى نقطة معيّنة من الفضاء الكوني.

ففعل. ويا للدّهشة الكبرى! رأى فعلا الكوكب الجديد الذي أطلقوا عليه اسم بلوتون. كانت تلك من أجمل المآثر العلميّة التي تفخر بها البشريّة!

كذلك القول في الله: لا نراه مباشرة، إنّما نستنتج وجوده من خلقه على حدّ ما يقوله المثل الشّعبيّ الشائع: "الله مانشاف، بالعقل انعرف".

لنتخيّل، أحبائي، أنّي نهضت من النّوم في الصّباح الباكر، وإذا بالثّلج يغطّي وجه الأرض. ولاحظت على الثّلج آثار أقدام بشريّة أمام منزليّ. لم أشاهد أحدًا في الشارع. ومع ذلك أستنتج بدون أيّ شكّ أنّ شخصًا مرّ فانطبعت آثار قدمَيه على الثّلج.

كذلك الله الخالق عزّ وجلّ: لا نستطيع أن نراه، لكنّنا نستنتج وجوده من التأمّل في خلقه.

وما هذا الكون العجيب، بما فيه من مليارات المجرّات، سوى الأثر الذي تركه لنا الخالق، علمًا أن أبعد مجرّة تمّ اكتافها حتّى الآن تبعد 13 مليار سنة ضوئيّة عن الأرض!

(يتبع)