المتواضع:
المتروبوليت سابا (اسبر) المتواضع إنسان موضوعي، يعرف ما له وما عليه، يعي مدى تأثيره في المجتمع، ومكانته ودوره لا يقبل بأن يحتكر المواهب والقدرات، ويفرح لوجودها عند غيره، ولو كانت تفوق ما عنده. يفرح لنجاح الآخرين، ويهزه نضجهم ونموهم طرباً. لا يعرف الغيرة ولا الحسد، شاكراً لكل شيء، متوثباًلكل تقدم. أما المتكبر، فلا ينظر في شيء إلا من خلال أناه هو غارق في العُجب بذاته، ولا يرى أخرى سواها. يتعالى على الناس، ويريد مصادرة كل شيء لنفسه. تقتله الغيرة، وينهكه الحسد، ويقلقه من يتميّز عنه بالأفضل. هو متطلب، وذومزاج عكر ، لا يرضيه شيء، مهما أصاب من نجاح. المتواضع إنسان أدرك وسع الكون، الذي يحيا فيه، لذلك تراه منفتحاً على الآخر، دوماً، أإنساناً كان أو معرفة العلماء الكبار متواضعون، لأنهم، بسبب من معرفتهم الواسعة، عرفوا أنّ الذي ما يزال مجهولاً، في هذا الكون، أكثر بكثير مما هو معروف لديهم تراهم يتطلعون، بشوق صادق إلى المزيد. أما أنصاف المتعلمين، فتراهم متكبّرين متشامخين مغترين بما يعرفونه ومترفعين على من هم دونهم ،معرفة، ومتهيبين، في الوقت ذاته، ممن يفوقهم معرفة، فيتهربون من مواجهته. المتواضع إنسان مسكون بالحب، يرى في كل آخر موضعاً للمحبة. لا يترفع لأن المحبة لا تعرف الترفع يتعاطى بطبيعية وعفوية مع الآخرين، لأنه لا يعرف الكذب والتزوير وارتداء الأقنعة بكلام أدق، لا يشعر بحاجة إليها، فهو لا يرى في ذاته، نقصاً يشدّه إلى تغطيته، أو إخفائه بتعامل مزيف أو كاذب. من هنا، هو إنسان لا يشعر بعقدة نقص ما، أو بكلام آخر، ثقته بذاته، في حدودها الطبيعية. لا يفرط بالثقة الذاتية، فتقوده إلى التكبر والتشامخ، ولا يعدمها، فتشدّه إلى الجبن والسذاجة. إنه إنسان طبيعي، لا يرى ذاته في عيون الآخرين، فلا يضطر إلى التصرف بطريقة لا يرضاها لنفسه، لكي يحصل على رضاهم. يرتبط التواضع بمعرفة الذات، التي هي "إدراك المرء لمقدرته وذكر لا يهدأ لأصغر زلاته"(ق. يوحنا السلمي). هذا وصف يليق بالإنسان عامة. أما المؤمن فيزيده، في طلب التواضع، تمثله بربّه القائل: "تعلموا مني، فإنّي وديع ومتواضع القلب" (متى ۲۹/۱۱). مهما بدا التواضع، ظاهرياً، انحداراً إلى الأسفل، يبقى عند المؤمن المتواضع، انطلاقاً إلى العلى، وقرباً من ربه والخليقة عامةً. يؤمن أن التواضع هو الدرجة الثالثة قبل الأخيرة، عند الذين يطلبون الكمال. يأتي التواضع في الروحانية الأرثوذكسية، مباشرة، قبل اللاهوى والمحبة، التي هي الدرجة الأعلى في سلم الفضائل. يتألم المتواضع من الكبرياء، ويشفق على المتكبرين، لأنه يدرك أن الكبرياء تمزق الطبيعة البشرية، فيما التواضع يوحدها المتكبّر، في ترفعه وقسوته على الآخرين، يبحث عن الرضى الذاتي. يرى في إذلال غيره وجوداً له، بينما يرى المتواضع، في محبتهم، وجوداً له ولهم. يعرف المتواضع أنّ أي حكم على الآخر يكون مشوّهاً إذا شابته الكبرياء، كونه لا يستند إلى تأمل نقي وسليم للواقع. بينما التواضع يقود إلى التبصر المتأني الخالي من الهوى، وتالياً إلى الحكم الصحيح. فيما يلوي المتكبر نظرته إلى أمور الحياة، بما يوافق اهتمامه الأناني، ترى المتواضع يرى إليها بواقعيتها، المعمدة بالمحبّة، وهكذا، يعيد تأسيس الفهم الصحيح للأشياء المتكبر إنسان سلبي، لا نفع فيه ولا منه، يلازمه التشاؤم والسواد؛ بينما المتواضع إيجابي حتّى النهاية، وقادر على تغيير الواقع، رفيقه التفاؤل والتطور المستمر. ما قيل عبثاً، في الأدب الروحي، إن الأشجار الخالية من الثمار، هي الأشجار المنتصبة المتشامخة إلى العلاء، أما الأشجار المليئة بالثمار فهي، أبداً، منحنية، لا بل كلما ازدادت ثمارها، ازداد انحناؤها. تعني لفظة التواضع في اللاتينية "الأرض الخصبة". والمتواضع كالأرض الواطئة، التي تستقبل المياه، وتتشربها، فيزداد خصبها، وتكثر ثمارها. يقود التواضع إلى العلو، أما الكبرياء فإلى التعالي. وقد قال الكتاب إن الله "حط المتشامخين ورفع المتواضعين" (لو ٥١/١) العلو جميل وحسن، أما التعالي فممقوت وكريه. لا يعرف الديك إلا حظيرته وما فيها؛ فيرى نفسه الأقدر والأقوى. هكذا هو المتكبر، إنسان مسجون ضمن ما عنده وفيه، ويعتقد بأنه محور الكون. أما النسر، الذي يحلّق في الأعالي، وينظر الأرض وكل ما عليها، فيرى صغره، قياساً بالموجودات الأخرى، فيهزأ بالديك، ويدرك مدى جهله. إنه كالمتواضع الذي يعرف مكانته ودوره في العالم القديس سلوان الآثوسي). يتمتع المتواضع بلسان دافئ، لا يؤذي ولا يجرح، على عكس المتكبر، لأن "الكنز لا يخرج ما لا يحويه". قد تقول إنّى لست متكبّراً حسناً ولكنك لست بالضرورة متواضعاً. فعدم التكبر يختلف عن التواضع. إليك ما يقوله المعلم الكبير يوحنا السلمي : "يختلف التكبر عن عدم التكبر وكلاهما يختلفان عن الاتضاع. فالمتكبر يدين غيره طول النهار، وغير المتكبر لا يدين أحداً ولكنه لا يدين ذاته. أما المتضع فيدين ذاته كل حين وهو غير ملام". تلازم الكبرياء الفردية، لذا تراها سمةً عامة، في عصرنا الحالي. بقدر ما ينعزل المرء، داخلياً، يخاف ويحاول حماية ذاته بسور الكبرياء. فالكبرياء علامة الخوف والحاجة إلى اتقاء المواجهة الذاتية ومشاهدة العيوب الشخصية. إنها ملازمة لعدم المحبة، إن لم نقل للكراهية. أما التواضع فصديق الألفة والحياة البهيجة، والمنفتحة على الآخرين لا يشارك المتواضع الخاطئين في آثامهم، إلا أنه يفيض رحمة على الموجوعين. وما من وجع عنده أقوى من الكبرياء. قال آباؤنا الروحيون بأنّ التواضع سور سطح البيت، الذي يحمي الأولاد، أي الفضائل، من السقوط. حقاً إنّه تكثيف كل الفضائل. يستمد المتكبر وجوده من ذاته، ومواهبه وعلمه، وماله ... أما المتواضع فهو متيقن من أنّ وجوده، كله، مُستَمَدّ من الله يرى نفسه أمام حضرة الله دوماً، فيسعى إلى الامتلاء المستمر، ولا يهدر وقته بأفعال نرجسية، تفقده أحلى ما عنده. أتت فتاة فائقة الجمال إلى المطران أنطوني بلوم لتعترف. أخبرته بأنّها معجبة بجمالها، إلى درجة الغرور والتكبّر. فأجابها: حسناً، فهذا صحيح على الأقل. أنصحك بأن تقفي أمام المرآة ثلاث مرات يومياً ، تنظرين إلى نفسك وتقولين: أشكرك يا رب لأنك خلقتني جميلة. لكن مساهمتي الوحيدة في هذا الجمال الذي منحتني إياه، هي تشويهه بنظراتي المترفعة. ينشأ الكبرياء من العُجب بالذات، أما التواضع فمن إعادة كل حسن إلى الله. يعيد المتواضع كل شيء عنده إلى الله، لا إلى ذاته. هكذا يشكر الله ويُعجب به، ويزداد محبة له. المتواضع، باختصار، من أدرك أنه بحاجة إلى رحمة الله، فصارت صلاته الدائمة، على مثال العشار ، اللهم ارحمني أنا الخاطئ" (لو (۱۳/۱۸).