تاريخ الدير

نشوء الدير

تتضارب محاولات التأريخ لبدايات هذا الصرح الديني الهام تبعاً للروايات التي ساقها مؤرخو التاريخ الحديث، فمنهم من جعل تاريخ نشوئه في أواخر القرن السادس عشر، ومنهم من جعله في بدايات القرن السابع عشر، وكل تلك الروايات منقول من الأدب الشعبي أو من تحليل غير مستند إلى شواهد مؤكدة. ولكن في الدير ما يثبت انه يعود إلى القرون المسيحية الأولى وان حركة الترهب والتماس وجه السيد المبارك بقيت تمارس على هذه التلة على الرغم من فقدان الكثير من المخطوطات والشواهد بفعل عوامل الزمن والإهمال والعبث والحروب التي طاولت المنطقة وندرة المراجع الموثقة.

وأقدم لوحة تؤرخ لمرحلةٍ من مراحل وجود الدير هي اللوحة الحجرية البيضاء المثبتة فوق باب الكنيسة الشمالي(وهو المخل القديم للكنيسة)، تحت قبة الجرس، والتي تشير إلى نيسان 1550.

وأقدم مخطوطة تذكر اسم الكاهن الذي خدم في الدير بدايات التاريخ الحديث، هو الخوري بطرس بن الحاج يوحنا بن المعلوف، تعود إلى 23 تشرين الثاني 1524.

وأقدم شاهد على الإطلاق يثبت أن الدير كان في البدء ، قبل أن يكون حوله أي بتاء أو قرية وانه ضارب في التاريخ، وهو الكنيسة القديمة في الدير الموجودة في الطابق السفلي الذي استحدث له مدخل في سنة 1992، مع الصوامع الست المعقودة المتصلة بها من جهة الغرب . فالكنيسة ذات رواقين متوازنين متصلين في ما بينها بقنطرتين ، وسقفهما نصف اسطواني، واتجاههما صوب الشرق وهذا الشكل المعماري من الكنائس كان موجودا في هذا الشرق (وفي لبنان خصوصاً) منذ القرنين الخامس والسادس، ثم عاد فازدهر في حوض البحر الأبيض المتوسط خلال الغزوات الصليبية (القرنين الثاني عشر والثالث عشر).

محطات تاريخية من حياة الدير

سنة 1612 : أنشء الراهب الياس مطر الجميّل دير مار الياس للموارنة على قطعة أرض مجاورة للدير الأرثوذكسي، ومع مرور الزمن صار تابعاً للرهبنة الحلبية المارونية.

بين عامي 1724 و1749: بسبب انشقاق الروم الكاثوليك تقلبت ملكية الدير بين الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك إلى أن استرجعه نهائياً أهالي المحدثة الأرثوذكس في سنة 1749، فتسلمه البطريرك سلفستروس القبرصي .

في ليل 18 تشرين الأول 1759 : ضرب البلاد زلال قوي فهدمت كنيسة الدير وقلاليه العليا. ولم تسلم إلا الأقلية السفلية.

في 4 نيسان 1760: ألقى رئيس الدير الاشمندريت صفرونيوس (صيقلي) إعادة بناء الدير والكنيسة بمساعدة أحد أعيان بيروت، أبو عسكر يونس نقولا الجبيلي ، في عهد المطران يوانيكيوس مطران بيروت ولبنان. واللوحة المثبتة فوق المدخل الغربي للكنيسة (المدخل الجديد الحالي) تؤرخ لعملية إعادة البناء هذه.

في أواخر القرن الثامن عشر ، وطوال القرن التاسع عشر: ازدهر الدير ازدهارا ملحوظاً، فبات يستقطب الودائع من تجار الروم الأرثوذكس الأثرياء في بيروت والبقاع، ويمنح القروض لملاكي الأراضي في المنطقة ولمتعهديها. فاستطاع أن يوسّع أوقافه من خلال استملاك الكثير من الأراضي في منطقتي أبو ميزان وقنّابة برمانا. وبات أيضا مركزاً معروفاً لإنتاج الحرير.

في 19 آب 1798: رقد المثلث الرحمات مكاريوس (صدقة) مطران بيروت ولبنان في مسقط رأسه المحيدثة، فَحُمِلَ على الأكف إلى الدير حيث دُفن. ولا يزال جثمانه غير متحلل. وهو محفوظ في الصومعة الأولى الملاصقة للكنيسة القديمة في الطابق السفلي.

سنة 1841 اضاف البطريرك سنوديوس الى مبنى الدير صوامع عدّة في غهد رئيس الدير النشيط الاشمندريت اليوناني مكاريوس ، وكان الدير حينها يضم ثمانية رهبان وثمانية خدّام. واستمر بناء الصوامع الجديدة حتى أواخر ذلك القرن.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: بينت في الدير على مستوى الطابق السفلي القديم مدرسة لتثقيف الناشئة، علّم فيها معلمين مشهورين. ثم أنشأ الدير لاحقا مدرستين ابتدائيتين في أبو ميزان وقنّابة برمانا لتعليم أطفال متعهدي الأرض في القريتين.

ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر: ظهر في الدير أثر روسي لافت. فقد بات القناصل الروس يقدمون المنح لمدرسة الدير، وأقام فيه لفترات متفاوتة مستشرقون ورحّالة ودبلوماسيون روس، أمثال بارسكي وباسيلي وكريمسكي وكرشكوفسكي.

في بداية القرن العشرين: أُنجز حفر ايقونسطاس الكنيسة من خشب الجوز بيد النحات بتابوت قسطنطين بيرتيس ويتميز هذا الايقونسطاس بالنقوش المحفورة عليه، فمنها مشاهدي تروي إحداثا كتابية كالبشارة والميلاد والمجيء الثاني للمسيح الدّيان. وملائكة يبّوقون ، والنبي إيليا وهو يقتل كهنة البعل، والغراب الذي كان يأتيه بالخبز، وقطع رأس النبي يوحنا المعمدان ، والإنجيليين، وهامتي الرسل بطرس وبولس، ومنها مشاهد من الحياة الكنسية والرهبانية كالنسر الذي له رأسان (شعار إمبراطورية الروم) ورئيس الدير ، وكاهن يحمل الكأس المقدسة، وشماس بثياب الخدمة فضلاً عن أشكال زخرفيه ونباتات (كالكرمة والعنب) وحيوانات.

سنة 1910: عند عودة البطريرك غريغوريوس الرابع (حداد) من روسيا، قَدِمَ إلى الدير رهبان روس، ومكثوا فيه خمس سنوات، حتى 1915. وقد تركوا في الدير لمسات بيّنة خصوصاً من خلال تشييدهم المبنى القائم إلى يمين مدخل الدير، والمؤلف من أربعة طوابق ، يضمّ كل طابق علوي ثلاث غرف والطابق الأرضي مقسّم إلى إسطبلات وأقبية. وقد استحدث الرهبان الروس في هذا المبنى مدافىء في جدران غرفة تشتعل بواسطة مواقد صغيرة تعمل على الحطب. كما استحدثوا نظام ريّ يعمل يدوياً: فتدفق المياه إلى الحدائق والبساتين تنظمه شبكة من الحبال يمكن التحكم بها من الدير.

سنة 1996 : أنهى رئيس الدير السابق، المثلث الرحمات الأسقف الياس (نجم)، ترميم الدير بعد تضرره من جرّاء الإحداث اللبنانية.

في آب 1996 : أفتتح الكونسرفاتوار الوطني العالي للموسيقى فرعاً له في الجناح الذي كان مدرسة.